الأمير الحسين بن بدر الدين

41

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

بحاله ، وقد أعدّ اللّه فيه جميع ما يصلح دينه ودنياه قبل حاجته إليه ، من الجوارح والقدرة ، وجعل كلّ جارحة تصلح لما لا تصلح له الجارحة الأخرى ، فركّب فيه للسماع أذنين ، وللبصر عينين ، وللشم أنفا ، وجعل الفم مشتملا على اللسان والأسنان . وجعل له آلة الذّوق ، والطعام ، والانبعاق « 1 » في جميع أنواع الكلام ، وسبيلين لإخراج الأذى ، ويدين للبطش واللمس ، ورجلين للمشي ، مع اشتمال جسمه على عروق كثيرة مختلفة المنافع . وعن جعفر الصادق عليه السّلام « 2 » أنه قال : « جعل اللّه المرارة في الأذنين ؛ لئلا تدخل الهوامّ في خروقهما إلى الدماغ ، وجعل الملوحة في العينين ؛ لأنهما شحمتان فأمسكهما بالملوحة ؛ لئلا تذوبا ، وجعل الرطوبة في المنخرين ؛ لأن يجد بهما الإنسان ريح الأشياء ، فلو لا رطوبتهما كانا كسائر جسده ، وجعل الحلاوة في اللسان والشفتين ؛ لأن يجد به الإنسان طعم الأشياء ، وجعل بطن الراحة لا شعر فيه ؛ ليحسّ اللمس » « 3 » ، ثم قال الصادق : أخبرني بهذا أبي عن أبيه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فانظر إلى هذه الحكمة البالغة .

--> ( 1 ) بعق في الحديث انصبّ فيه بشدة . وفي الحديث : « إنّ اللّه يكره الانبعاق في الكلام ، فرحم اللّه عبدا . أوجز في كلامه » ، [ مختار الصحاح ص 58 ] . ( 2 ) جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام ، ولد سنة 80 ه وقيل 83 ه وتوفي 148 ه ، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية ، وإليه ينتسب المذهب الجعفري الإمامي ، وله منزلة رفيعة في العلم . أخذ عنه أبو حنيفة ومالك ، وقال فيه : ما رأت عيني أفضل منه فضلا وعلما وورعا . وهو أشهر من نار على علم . ينظر أعيان الشيعة ج 1 ص 660 . ( 3 ) ربما ذكر هذا في كتابه : خلق الإنسان وتركيبه .